مقال لم ينشر كتب بتاريخ 25 ديسمبر 2006
لم ننشر غسيلنا بعد

إذا نزعنا أيدينا من على أعيننا، سوف نرى بكل وضوح أن مسرحنا يعاني منذ ما يقارب العقدين، من أعنف أزمة عرفها تاريخه القصير المتواضع، فبعدما طال الإرهاب و القدر المشئوم فنٌانيه، فقتل من قتل ، و مات من مات، و هجٌر من هجٌر، و همٌش من همٌش، هاهو الآن يجني خراب سلوكيات القائمين عليه و التي جعلت منه أكثر مأساويٌة من مأساته، و أكثر إضحاكا من كوميدياته. نعم، لقد حلٌت عليه اللعنة كما حلٌت على أوديب القاتل لأبيه و المتزوٌج من أمٌه، الفارق البسيط أن مسرحنا فقئت عيناه على يد أبنائه، فكانوا و بدون أدنى شعور بالندم السبب المباشر في انهياره، فلا كتٌاب يكتبون، و لا مخرجين يبدعون، و لا ممثٌلين يتقمٌصون، و لا تكوينا قويٌا يضمن استمراريٌة و ديمومة هذا الفن الراقي، فالمعهد الوحيد المتخصٌص و الذي أنشئ ليكون مشتله تعمل على استمرار يته، ساهم بضعفه و سطحيٌة تكوينه في زيادة تأزم وضع المسرح ، فغابت الفرجة و غاب معها الجمهور.
لقد أضحى المسرح الجزائري رهينة شلٌة من المافيا الثقافيٌة، يتصرٌفون فيه و في مصيره كما يحلو لهم، دون أدنى محاسبة، يأتون بمن يُحبٌون و يقصون ما يشاءون، يُغطٌون ضعفهم بمحاربة الكفاءة و حجبها عن الجمهور، يرفضون الاختلاف و يفرضون خطابهم البالي، يقيٌمون الآخر في مجالس مغلقة و يُصدرون أحكامهم و يُنفٌذونها، يطردون، و يعاقبون كل من يُخالفهم الرأي و الرؤية، و كل هذا ليغرفون الأموال تحت شعار "المومن يبدا بروحو". إنٌهم لا يحتاجون لأحد، " فاللعٌاب حميدة و الرشٌام احميدة"، هم الكتٌاب و المخرجون، هم الممثٌلون و الجمهور معا ، لا حاجة لهم بالآخرين، وحدهم يوفون بالغرض.
عندما أُعلن أن الجزائر هي عاصمة للثقافة العربيٌة. تملٌكني شعور مزدوج، ابتهاج للحدث و خجل من واقعنا المزري، كيف لمسرحنا الضعيف أن يتحمٌل ثقل المسؤوليٌة الملقاة على عاتقه المنهك؟ أم أنٌ القضيٌة قضيٌة كم، و يكفي أن ننجز كمٌا معقولا من الأعمال دون الحديث عن مستواها، لتكون التظاهرة ناجحة قبل انطلاقها، كما صرٌح السيٌد كمال بوشامة. أو ربٌما سيكتفون بالنوعيٌة المقدٌمة من طرف الأشقاء من مصريٌين، سوريين، خليجيين.. فيكتفي منظٌمو دائرة المسرح بالاستهلاك فقط.

على أي أساس تمٌ اختيار الأعمال المبرمجة و ما هي المقاييس؟ ما سرٌ غياب أسماء خدمت الخشبة الجزائريٌة بكفاءة و إخلاص؟ أسماء مثٌلت الجزائر في المحافل الدوليٌة بإيجابية، أ لا يشفع لها بقاءها في الوطن أثناء محنته، و لم ينقطعوا عن إبداعهم رغم المخاطر، في حين هرب من هم الآن يتصرٌفون بمصائرنا خوف على حياتهم الغالية؟ لما هذا الإقصاء؟ أ لغاية في نفس يعقوب؟ ثم، ما الدافع لاختيار نص "الحكواتي الأخير" مع احترامي العميق للفنٌان الكاتب الفذ عبد الكريم برشيد، ليكون و بإخراج الفنٌان التونسي المحترم المنجي بن ابراهيم، أوٌل عرض رسمي في التظاهرة؟ هل عقمت الجزائر لنستأجر من ينشٌط عرسنا، و يكون افتتاح النشاط المسرحي في سنة الجزائر عاصمة الثقافة العربيٌة من إمضاء تونس و المغرب؟ أ هو اعتراف ضمني على خلوٌ الساحة الوطنيٌة من الكتٌاب و المخرجين؟ علما أنٌه برمج إنجاز ما يقارب الأربعين عملا دراميٌا على مدار السنة، هذا معناه أنٌ لدينا على الأقل ثلاثين كاتبا ( مع حذف النصوص المترجمة و المقتبسة) و أربعين مخرجا، ألم يجد القائمون على دائرة المسرح من ضمن هؤلاء من يحفظ ماء وجهنا؟
كيف تمٌ أصلا اختيار الحكواتي الأخير؟ هل خضع الأستاذ برشيد للجنة اختيار النصوص التي وضعتها دائرة المسرح، كما خضع من سيشارك في هذه التظاهرة من جزائريين؟ هل قامت اللجنة بدراسة مشروع الأستاذ المنجي و الموافقة عليه؟ أم أنٌ القانون يسري على الفنٌان الجزائري فقط؟

لست متشائما كما يتصوٌر من يقرأ كلامي هذا، فما أنا إلاٌ عاشق، أغار على ما أحب و أغتنم كل فرص الحلم و اللقاء، بالأمس اغتنمت فرصة سنة الجزائر في فرنسا، و صدٌقت أنٌنا بخير، لكنٌ الحلم انكسر تحت أرجل برج "إيفيل" رغم أنف مقام الشهيد، انقضت السنة الهزيلة برقصة غريبة، رقصها المسرح على إيقاع الدينار و "الأورو"، لم يتباهى منظمو "الزردة" بمستوى العروض المشكوك في ولاء أصحابها للوطن، بل ردٌوا بكل وقاحة على كل من طرح سؤالا عن المضمون، أن المهم لديهم هو حصولهم على " الشكارة" و قد ضمنوا مستقبلهم و مستقبل أبنائهم، يا لهم من مساكين، لقد جاعوا إلى درجة الخيانة. نعم لا أستطيع إخفاء مخاوفي من أن تكون عاصمة الثقافة مطيٌة لسلب أموال الشعب تحت غطاء العروبة، كما سلبت في سنة الجزائر بفرنسا.
لو نزعنا أصابعنا من أذاننا لسمعنا صرخات المسرحيٌين العاشقين على قلٌتهم، يتألٌمون من انحدار مستوى أب الفنون إلى أسفل السافلين، مسرحنا مريض يا ناس، و مريض جدا، هذا أقصى ما يمكن الوصول إليه، لا يمكن أن ننزل أكثر، فلقد وصلنا إلى القاع ، لقد افترش الموت و لكنٌه لم يمت بعد، إنٌه يقاوم بأعجوبة، لا إرادة له إطلاقا في الفناء، هو هكذا، عنيد لا ينعدم، يستمد حبٌه للبقاء من أزليٌة سوفوكليس، سينك، راسين، موليير، شكسبير، كالديرون، ديدرو، غوته، إبسن، برنارد شو، تشيخوف، ستانيسلافسكي، بيكت، بريخت، بيتر بروك و الكثير الكثير ممن كان حبٌهم للمسرح صادقا، و عملهم فيه مؤثٌرا. المشكل لا يكمن هنا، بل يكمن في هذا الاندفاع نحو الأمام دون التفكير في العواقب.
المسرح موجود، كالجريمة التي مات بسببها الملك هاملت، موجود شموخ المسارح الرومانيٌة في تيبازة، الجميلة و تيمقاد، ليس هو الذي يفنا، الرداءة هي التي تموت، تموت كشخوص يونسكو، ننتفخ و تزداد انتفاخا حتٌى تنفجر، الكذب، التظاهر، الاستهتار بأذواق الناس، البزنسة بالعواطف، الاستخفاف بالآخر و الرغبة في الكسب السريع، كل هذا معرٌض للزوال بحتميٌة، أمور تندثر كما اندثرت إمبراطورية روميليس العظيم . يبقى وحده الجميل سيٌد الموقف. لكن المشكل الآن كيف لنا أن نخرج رأس النعامة من الرمل؟ كيف لنا أن ننشر غسيلنا، كي يجفٌ و نظهر أخيرا في هذا العرس العربي بمظهر لائق محترم؟ ماهي الطريقة المثلى للاستفادة كمسرحيٌين من فرصة قد تكون سانحة، فينقلب السحر على الساحر، و يقول المسرحيٌون كلمتهم، يلتقون بعد فرقتهم، يتهيكلون، و يقرٌرون مصيرهم بأنفسهم دون وصاية من أحد. اللهم آمين، و الحمد لله ربٌ العالمين.
ترقٌبوا مقالا حول مسرحيٌة العشيق، عويشة و الحرٌاز
