مقال كتب في 25/01/2007
الحكواتي الأخير
أو
النص الذي قتل العرض

أخيرا رفع الستار، و انطلق رسميٌا برنامج دائرة المسرح، المندرج في فعاليٌات تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافيٌة العربيٌة. كان الزمان سهرة الاثنين، كان المكان المسرح الوطني الجزائري، و كان الحدث العرض الشرفي لمسرحيٌة الحكواتي الأخير. كتب نصٌها الدكتور عبد الكريم برشيد من المغرب، و أخرجها للركح الأستاذ المنجي بن ابراهيم من تونس، أمٌا من الجزائر، رجع شرف تمثيلها لنخبة من الممثٌلات و الممثلين الموهوبين. انطلاقة مغاربيٌة في غياب موريتانيا و ليبيا.
نص جميل.. نص خطير.
لقد كتب الدكتور برشيد نص الحكواتي الأخير سنة 2000، و هو نص ملحمي، يندرج في شكله ضمن المسرح الاحتفالي، مكوٌن من أحد عشرة لوحة مستقلٌة، يربطها لبعضها البعض، ساحة المدينة. يفتتح الكاتب مسرحيٌته بلوحة أولى يٌعرٌفنا من خلالها على الشخصيٌة المحوريٌة، الحكواتي نور الدين ابن محي الدين، ابن معزٌ الدين(لا تحاولوا البحث عنه في عائلة صلاح الدين الأيٌوبي، فالقضيٌة لا تخرج عن مجال الرمزيٌة ). لقد جاء يودٌعنا و يروي لنا آخر حكاية، صراعه مع زمن الانقلابات الذي نعيشه. بعد ذلك يضعنا الكاتب في المكان الدائري المفتوح الذي جرت فيه الأحداث، إنٌه الساحة المحاصرة بالإسمنت. أيٌام كانت الساحة مكانا واسعا للفرجة الشعبيٌة، ليدخلنا الكاتب بعدها و عبر اللوحات المتبقيٌة في فلاش باك، عائدا بنا إلى الوراء ليروي لنا، معانات الحكواتي التي بدأت بعزوف أصحابه عنه. فعلى امتداد لوحات تسع، يتجوٌل بنا الدكتور برشيد لنلمس معاناة الحكواتي المصدوم من كل شيء، الصداقة، النساء، الشيوعية، اقتصاد السوق، مصدوم من المدينة التي أصبحت تخنق الساحة بضجيجها و الاسمنت الزاحف. لينصرف الحكواتي في الأخير، ينصرف بعدما اقتنع أنٌه لا الزمان زمانه و لا المكان مكانه. عاد من حيث جاء، عاد ليلحق بعز الدين و نور الدين وتاج الدين، أعطانا ظهره و تنصٌل من مسؤولياته الطلائعيٌة و استقال، لا لشيء إلاٌ لأن الزمان تغيٌر، و كأن المطلوب من الزمان أن يتوقٌف ليكون زمان. نص الحكواتي الأخير، نص جميل و شاعري، يتمتٌع به القارئ و يٌبحر فيه نحو عالم إنساني بريء، يبقى عيبه و عيب المسرح الملحمي، أنٌه يروي حوادث قد حصلت في الماضي. و رغم أن النص كلٌه فلاش باك( عودة الكاتب بالقارئ نحو الماضي) تعود الشخوص لتنتقل بينا مرٌة أخرى نحو ماضيها (بما أنٌها تروي الوقائع). و يكون الكاتب بهذا قد أجهض كلٌ محاولة لإحياء النص ركحيٌا. كان من الأجدر بالمؤلٌف، أن ينتبه لكونه يكتب للخشبة. فالنص على ما هو عليه لا يصلح إلاٌ للقراءة أو الإذاعة، أمٌا في المسرح فهو نص خطير، يتطلٌب من المخرج أن يكون اخطر و يٌدخل بعض التعديلات. خاصٌة مع الشخوص الخمسة، المطلوب أن يجعل من مشاهدهم أكثر إقناعا، باستحضار الفعل المسرحي و أن تكون الأحداث جارية الآن. و هذا التصرٌف ليس جديدا، فلقد نجح فقيد الخشبة الجزائريٌة الفنٌان عبد القادر علٌولة في إدراج مشاهد دراميٌة في عمله الملحمي " الأجواد"، و ما علينا إلاٌ أن نتذكٌر مشاهد: الربٌوحي الحبيب، لمنوٌر و جلٌولي لفهايمي. ثم أنٌ اختيار اللغة العربيٌة كوسيلة اتصال، لا ينسجم مع المضمون و الأجواء المستوحاة من التراث المغاربي. فلو كان الحكواتي من عكاظ لجاز ذالك، أنا لم أرى في حياتي في أسواقنا و ساحاتنا حكواتيا يحكي باللغة العربيٌة. مفارقة قتلت في رأينا روح العرض. ما يمكن قوله أيضا عن النص أنٌه بلا حدث، كل المسرحيٌة عبارة عن ما قبل الحدث لحدث لم يحدث. جميع الشخصيٌات تثرثر" حصل لي هذا، و قال لي هكذا" حتٌى الحكاية الأخيرة التي جاء من أجلها الحكواتي إلى الساحة لم تٌحكى. ربٌما جاء ليروي حكايته ؟ و ما يهمٌنا نحن من حكايته، همٌنا يكفينا، إن كان حكواتيا يثير الشفقة و الاشمئزاز و التشاؤم، سأطلٌق حلقته بالثلاث. ما لذي أتى به الحكواتي؟ السبٌ و الشتم؟ الرفض كلٌي لعصر عيبه الوحيد أنٌه يتقدٌم؟ مع الأسف، خطورة النص تكمن في أفكاره الانهزاميٌة. هكذا هو من يعجز على مواكبة العصر، يردٌ لومه على الآخرين، لما لم يثبت الحكواتي و يعمل على تغيير أساليب حكيه دون الاستغناء عن أفكاره؟ لماذا استقال؟ لماذا انسحب؟ لماذا لم يُضرب عن الطعام في الساحة التي يحبٌها؟ أو يٌحدث انقلابا أو يشعل حربا؟ أسئلة حملناها معنا إلى قاعة المسرح الوطني سهرة الاثنين، ذهبنا و نحن نأمل أن ينجح المخرج في الذهاب إلى أبعد ما ذهب إليه الدكتور برشيد؟
في المسرح.. على المسرح.
القاعة لم تمتلئ عن آخرها، حضرت وزيرة الثقافة و جلست في الصف الأوٌل. أغلبيٌة الجمهور، فنٌانين، مثقٌفين، وبعض الوجوه العاشقة، التي أصبح التردٌد عندها لمبنى بورسعيد، أمر طبيعي. هؤلاء كانوا يجلسون في آخر القاعة. قبل انطلاق العرض طلب عبر الميكروفون من الحضور إقفال هواتفهم، لكٌن المايكروفون نسي تنبيه رجال الأمن لعدو تشغيل "الطالكي والكي" داخل قاعة العرض. سكوت، لقد بدأت المسرحيٌة. موسيقى.. إنارة دخل الحكواتي، بدأ الحكي، دام الحكي قرابة الساعتين و النصف، استعرض فيه المخرج بن ابراهيم كل قدراته الابداعيٌة، رافقنا الحكواتي عبر اللوحات المختلفة ليروي لنا و لا شيء غير الرواية، مشكلته المصيريٌة مع ساحة تغيٌرت ملامحها و تغيٌر ناسها. انتهى العرض، صفٌقت القاعة و صفٌقت الوزيرة بحرارة، برافو، خليدة أصبحت تٌحبٌ المسرح.
أين الإخراج يا أستاذ؟
في ندوة صحفيٌة نشٌطها الأستاذ بن ابرهيم، نقلنا له انشغالنا عن النص، و لقد طمأننا حينها، معلنا أنٌه سيعتمد على الصور الجماليٌة لتجسيده.. بقيت أنتظر لمدٌة ساعتين و نصف و ما رأيت جماليات، الذي رأيته هو ذر الرماد في العيون جماليٌة، البهرجة و التضخيم، التحرٌك في كل مكان و بلى أسباب، الصعود النزول، الهرولة و الثرثرة، الغمز للجمهور بعبارات جزائريٌة، أو بأغنية لدحمان الحرٌاشي و أحمد وهبي. لقد سقط المخرج في فخ النص: فكان عمله ميتم يٌشيٌع منه حكواتي "امدرٌح". رمى المخرج بأسلحته، ركع لخطاب النص و اقترح عبوديته. لقد غيٌب المخرج بتنظيمه للعرض الخطاب الجمالي. فغاب الإخراج و غابت معه كل وسائل الخطاب المسرحي. لقد قتل النص المخرج، فكان هم هذا الأخير يكمن في كيفيٌة إيصال النص للجمهور و فقط. في عوض أن يركٌز المخرج اهتمامه حول تجسيد معاناة الحكواتي دون اللجوء إلى السهل الممنوع، و بهرجة الأمور بأفعال و تصرٌفات الممثٌلين القصد منها جلب الانتباه، كان عليه أن يقف جنب الممثٌل و يجعله ينمو في أجواء عربيٌة تفرضه طبيعة النص المفروضة حتٌى على صاحبها. رغم بعض المحاولات..كإدراج " عبارة يا الباندي، و إن كان المخرج يقصد من خلال بعض الخرجات المحليٌة، كإدراج أغنية المنٌاعي يا بنية العرجون، أو حينما لجأ إلى أحمد وهبي، تجنيٌس المسرحيٌة جنسيٌة مغاربيٌة إن لم أقل جزائريٌة، فلقد فشل في هدفه هذا، فالجمهور كان يعيش مفارقة، و كان هناك تغريب بين الخشبة و القاعة. فلقد تفرٌج الجمهور الجزائري على خطاب عربي، و لو كان مغاربي، لكان ردٌ الفعل أحرٌ مما كان عليه ردٌ فعل جمهور الاثنين. فالشعوب المغاربيٌة لا تتكلٌم العربيٌة الكلاسيكيٌة. لقد اختار الأستاذ بن ابراهيم الاعتماد عن الخطاب الأدبي، و أهمل الخطاب الجمالي المتمثٌل في الإخراج، بهذه الطريقة وضع الأستاذ بن ابراهيم مشروع عرضه تحت رحمة النص. لقد صبٌ اهتمامه في تصوير كلمات النص، بصور و تشكيلات أقل ما يقال عنها، أنٌها ساذجة و بسيطة. لقد فشل الأستاذ حتٌى في استعراض النص، و ذلك حين فشل في الانتقال بنا عبر الفلاش باك، إلى الزمن الذي أراده الكاتب، لقد سقط الأستاذ بن ابراهيم في لعبة " الكولاج" و التمويه.

شهادة وفاة العرض.
كنت أتمنٌى أن أكتب أن الأستاذ المنجي بن ابراهيم قد اهدى ربرتوار المسرح الجزائري رائعة من الروائع، و لكن هذا لم يحدث، كنٌا ننتظر الاحتفاليٌة فصعقنا بعمل سوداوي أسود من أجواء بيكيت، بكاء و بكاء و لاشيء غير البكاء. أين الاحتفاليٌة و الحكواتي ينوح و يندب طيلة العرض. أين الاحتفالية، و الرقص الموظٌف في عرض لا يتجاوز شطحات أولاد الحومة في عرس. أين الاحتفاليٌة و الإسهال اللفظي عكٌر صفاء المتعة إلى درجة الصداع. عذرا سيٌدي فهذا النوع من المسرح و الذي لا يمد للاحتفالية بصلة، صادفناه في حركتنا الهاوية أواخر السبعينات و بداية الثمانينات، و هو مسرح تبرٌأنا منذ أن اكتشفنا أنٌه الخطأ، مسرح يقال فيه كل شيء و لا شيء ، يختلط فيه الغناء الشعبي بمعزوفة صلاة الموتى لموزار. لقد كان العمل حقيقة عملا هاويا، يفتقد إلى أبجديٌات فن العرض، و لو لا الطاقات التمثيليٌة للشباب الموزٌع لا كانت الكارثة. فلقد صار العرض من بدايته لنهايته على إيقاع بطيء لم يتغيٌر، و كل الشخوص التي دخلت في البداية، خرجت كما دخلت حين كان يجب عليها أن تخرج. لقد غاب المخرج عن عرضه باستسلامه الكامل لسلطة النص.
سينوغرافيا بلا هويٌة.

لقد جاءت السينوغرفيا بلا ملامح، لا المكان مكان، و لا الزمن الافتراضي زمن، مجموعة من الأعمدة و الأقواس تمتد نحو السماء. فضاءات معلٌقة، و زخرف أندلسي عربي، يقول مصمٌم السينوغرافيا الأستاذ زرٌوقي بوخاري، أن تصميمه يهدف إلى هيكلة الفضاء المسرحي، بهندسة مدينة عربيٌة إسلاميٌة، غير محدٌدة المكان، تتموقع بين الماضي و الحاضر، بدون تجاهل الرؤية الإخراجية البعيدة عن كل واقعيٌة ثقيلة. كلام جميل، لكن ما رأيناه هو عكس ذلك؟ لم تكن السينوغرافيا واقعيٌة حقا، و لكٌنها لم تكن إيحائيٌة أيضا، فلقد جعلت اللوحات و كأنٌها تجري في مجاري المياه و ليس في ساحة افتراضيٌة، كانت الأجواء التي توحيها السينوغرافيا و الظلال التي تنبعث من هندستها، غامضة و مكبوتة، مع مرور الوقت أصبح الديكور مكان و فقط. مكان مغلق من المفروض نتخيٌله نحن الجمهور ساحة. والساحة و إن كانت محاصرة أو تجريديٌة، تبقى ساحة، فالحقيقة الجماليٌة نفسها، كيفيٌة التعبير عن الحقيقة هو المطلوب. الواضح أنٌ السينوغراف عجز عن فهم طبيعة النص و روحه، لقد ضاع في الفلسفة و البحث عن المطلق، لقد كان عليه أن يفهم أن كل الصراعات تلتقي في الساحة، و بعيدا عن كل واقعيٌة. كان من الممكن أن يُبدع فضاء أحسن بكثير ، لو أبعد اهتمامه عن البهرجة و التزيين، لقد أسقط العرض في أجواء غرائبيٌة. الإضاءة المظلمة العشوائيٌة الاستعمال، خلقت من زوايا الديكور و انحناءاته، سراديب يظهر الممثٌل فيها نصفه في الظلام، و شيء منه داخل النور. الملابس عادية، الأكسيسوارات و العرائس مضحكة. مع الأسف، لم تضف السينوغرافيا شيئا للعرض، بالعكس كانت العائق الأوٌل للممثٌل،زيادة على الثرثرة و سياسة ملأ الخشبة .
شبعنا موسيقى..

الموسيقى بدورها كانت خارج أجواء العرض، مع احترامنا للأستاذ الموسيقار نوبلي فاضل و ثقتنا في فنٌه الأصيل. لقد انطبقت مقولة إذا زاد الشيء عن حدٌه إنقلب إلى ضدٌه على الموسيقى الموظٌفة بلى مبرٌر. كوكتيل عجيب غريب بدون أدنى مبرٌر درامي، ينحني الممثُل، موسيقى، تسعل الممثُلة ، موسيقى، تدخل الجوقة، موسيقى. و كل هذا لا يكفي، الممثٌلة فتيحة وراٌد تمتٌعت بآهاتها و نسيت أن تمتعنا، كانت تتلذٌذ بعرض قدراتها الصوتيٌة و الجسديٌة، لقد كانت صوتا زائدا لا مجال لتوظيفه ما دام الاختيار وقع على "السانتي". و لم يكن هناك داعي لاستعارة النغمة الشاويٌة، و الرنٌة العاصميٌة و أغاني أحمد وهبي و المنٌاعي. لقد كانت الموسيقى تفتقر إلى الإبداع، و كأن المؤلٌف كان يقيس أداء الممثٌل ليُؤلٌف صوتا يركب عليهم. لقد سقط الموسيقار أيضا في شباك الاستعراض ، و اتخمنا موسيقى.
برافو للممثٌلات و الممثٌلين.

أمٌا عن التمثيل فأقل ما يمكن قوله، هو أنٌه من أنقذ العرض، فلقد تجلٌى لنا واضحا أن الخشبة كانت تشعٌ بالحياة ا&
Commentaires
Pas de commentaire pour cet article
Ajouter un commentaire